أدى ارتفاع قارة أنتاركتيكا على مدى عشرات الملايين من السنين إلى تهيئة الظروف اللازمة لتكوّن الجليد واستمراره لفترة طويلة - الصورة: هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية
أدى ارتفاع قارة أنتاركتيكا على مدى عشرات الملايين من السنين إلى تهيئة الظروف اللازمة لتكوّن الجليد واستمراره لفترة طويلة – الصورة: هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية
أعادت دراسة أجرتها جامعة ساوثهامبتون (المملكة المتحدة)، ونُشرت في مجلة ساينس، إنشاء أكثر من 100 مليون سنة من التطور الجيولوجي في القارة القطبية الجنوبية باستخدام نماذج حاسوبية.
لم تكن القارة القطبية الجنوبية دائماً أرضاً جليدية.
تُعدّ القارة القطبية الجنوبية اليوم أبرد قارات العالم، إذ تغطيها طبقات من الجليد تمتدّ على كيلومترات عديدة، مُغطّيةً سطحها بالكامل تقريباً. مع ذلك، قبل نحو 50 مليون سنة، كانت درجة حرارة الأرض أعلى بنحو 5 درجات مئوية مما هي عليه اليوم، وكان تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي أعلى بكثير، ولم تكن القارة القطبية الجنوبية مُغطّاة بالجليد آنذاك.
ما حيّر العلماء لسنوات هو: لماذا بدأت القارة القطبية الجنوبية بالتجمد منذ حوالي 34 مليون سنة، بينما اضطر القطب الشمالي إلى الانتظار ما يقرب من 30 مليون سنة أخرى قبل ظهور القمم الجليدية الكبيرة؟
يكمن الجواب تحت الأرض. ووفقًا لفريق البحث، لا يكمن الحل في المناخ فحسب، بل في العمليات التي تحدث في أعماق وشاح الأرض.
قبل حوالي 180 مليون سنة، عندما بدأت القارة العظمى غوندوانا في التفكك، أدى تحرك الصفائح التكتونية إلى تغيير تدفق المواد الساخنة داخل الوشاح.
قد يعجبك أيضاً
حدثت هذه العملية ببطء شديد ولكن بشكل مستمر على مدى عشرات الملايين من السنين، مما تسبب في ارتفاع جزء كبير من شرق القارة القطبية الجنوبية، وتشكيل هضاب شاسعة وسلاسل جبلية عالية، بما في ذلك سلسلة جبال غامبورتسيف، التي تقع الآن في أعماق الجليد السميك.
يقول العلماء إنه عندما يرتفع سطح الأرض أكثر من كيلومترين فوق مستوى سطح البحر، تنخفض درجة الحرارة بشكل كافٍ بحيث لا يذوب الثلج تمامًا في الصيف . ووفقًا للمبادئ المناخية، تنخفض درجة حرارة الهواء بمعدل درجة مئوية واحدة تقريبًا لكل 100 متر من الارتفاع.
وهذا يعني أن حتى بضع مئات من الأمتار من الارتفاع يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً في قدرة الثلج على البقاء.
في البداية، تراكم الثلج على قمم الجبال العالية. وعلى مدى آلاف السنين، انضغط الثلج ليتحول إلى جليد، وتوسعت الأنهار الجليدية واندمجت، لتشكل في النهاية الغطاء الجليدي لشرق القارة القطبية الجنوبية، وهو أكبر كتلة جليدية على وجه الأرض اليوم.
لماذا لا يتجمد القطب الشمالي بالكامل دفعة واحدة؟
ووفقًا لفريق البحث، على الرغم من انخفاض تركيزات ثاني أكسيد الكربون العالمية خلال تلك الفترة، إلا أن القطب الشمالي لم يكن به كتل أرضية كبيرة على ارتفاعات مماثلة للقطب الجنوبي.
بسبب انخفاض ارتفاعها، يذوب ثلج الشتاء في الصيف، مما يمنعه من التراكم وتكوين أغطية جليدية ضخمة. ولهذا السبب، لم يبدأ القطب الشمالي بتكوين صفائح جليدية كبيرة إلا قبل حوالي 5 ملايين سنة، أي بعد حوالي 30 مليون سنة من بدء تكوينها في القطب الجنوبي.
أظهرت الدراسة أيضاً أنه بعد تكوّن الطبقة الأولى من الجليد، تتعزز هذه العملية بفعل تأثيرات المناخ. إذ يعكس سطح الجليد الأبيض معظم ضوء الشمس إلى الفضاء، مما يُسهم في خفض درجة الحرارة. تُعرف هذه الظاهرة بتأثيرات البياض الجليدي.
يحتوي الهواء البارد أيضاً على كمية أقل من بخار الماء. ولأن بخار الماء غاز دفيئة طبيعي، فإن انخفاض كميته يُقلل من قدرة الأرض على الاحتفاظ بالحرارة، مما يؤدي إلى استمرار برودتها. هذه الحلقة المفرغة هي ما ساعد الغطاء الجليدي على التوسع من المناطق الجبلية عبر القارة القطبية الجنوبية.
بحسب البروفيسور توماس جيرنون، المؤلف الرئيسي للدراسة، تُظهر النتائج الجديدة أن العصور الجليدية لا تعتمد فقط على المناخ أو تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. فقد تكون التغيرات الجيولوجية التي تحدث في أعماق الأرض قد هيأت الظروف لتكوّن الجليد قبل عشرات الملايين من السنين، وبالتالي حددت توقيت وموقع التغيرات المناخية على نطاق الكوكب.
يعتقد الباحثون أن فهم هذه الآلية سيساعد العلماء على إعادة بناء تاريخ مناخ الأرض بدقة أكبر وتحسين النماذج المستخدمة للتنبؤ باستقرار الغطاء الجليدي في سياق تغير المناخ الحالي.
المصدر:
